الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
278
شرح ديوان ابن الفارض
في جميع أموره عليك . وليكن هذا آخر ما قصدنا تعليقه على التائية الصغرى ، والمعذرة منّي إلى من وقف على هذا الشرح فإني وجدت القصيدة عذراء بكرا لم يكشف شارح عن محاسنها اللّثام ، ولا أبرز معانيها للناظرين أحد من الأنام ، وما تعرّضت لما بها من الدقائق الصوفية ، ولا قصدت الخوض في الإشارات المعنوية لأني كرهت الاكتفاء بالمقال من غير مساعدة الحال ، وكان يمكنني تلفيق كلام في هذا المرام لكن اللّه يعلم أني لا أحبّ إظهار خلاف ما بطن ، فإن ذلك قبيح ولا تليق القباحة بالحسن ، واللّه تعالى أعلم بالسرائر ومطّلع على مكنونات الضمائر ، والحمد للّه على كل حال وإليه المرجع في جميع الأحوال والمفزع في سائر الأهوال ، والصلاة على سيّدنا محمد خاتم عقد الكمال وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل ما طلع هلال وسمع إهلال . قال المؤلّف أطال اللّه عمره وشرح صدره ونشر بالخير ذكره وصدّر شرحها في مجالس آخرها يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر رمضان المبارك المنتظم في سلك شهور سنة إحدى بعد الألف من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام . ( ن ) : نكر السلام للتعظيم . وتلك المعاهد إشارة إلى ما تقدّم من حضرات الحقيقة المحمدية . والمعاهد جمع معهد وهو المنزل المعهود به الشيء ، فإن تلك الحضرات محطّ عهد الربوبية حين خرجت الذرية من ظهر آدم يوم الميثاق . قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الأعراف : الآية 172 ] الآية . وقوله من فتى ، يعني ثقة . والعامرية كناية عن المحبوبة الحقيقية المشار إليها فيما سلف من الأبيات بنحو ذلك . أعد عند سمعي شادي القوم ذكر من بهجرانها والوصل جادت وضنّت [ الاعراب ] « أعد » : فعل أمر من الإعادة ، وهو تكرار الشيء . وقوله « عند سمعي » : أي بحيث أسمع ذلك . وقوله « شادي » : أي يا شادي بالدال المهملة وهو المغني . و « القوم » : كناية عن جملة العارفين ومغنّيهم هو الذي ينشدهم كلام العارفين بربّهم على معنى العلوم الإلهية والمعارف الكشفية والحقائق اليقينية . و « ذكر » : مفعول أعد ، يعني كرّره حتى أسمعه سمع الامتثال المشار إليه بقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) [ الأنفال : الآية 21 ] . وقوله « من » : أي التي ، كناية عن المحبوبة الحقيقية . وهجرانها : إرخاء حجاب الغفلة . و « الوصل » : كشف ذلك الحجاب . و « جادت » : راجع إلى هجرانها - يعني سمحت بهجرانها - . و « ضنّت » : أي بخلت راجع إلى الوصل .